الخميس، 30 يونيو 2011

النجيفي، ورطة أم توريط؟

الصراخ مرتفع والضجيج يصم الآذان، والكل يدلي بصوته في قضية تصريحات أسامة النجيفي، المسمى رئيساً لمجلس النواب العراقي.




تقول الأخبار ان الرجل صرَّح بأن الاحباط الذي يعانيه سنة العراق قد يدفعهم الى التفكير بانشاء اقليم لهم.
هنا تحديداً، قامت القيامة وانبرى الكثيرون، من مختلف الاتجاهات، ليكيلوا التهم للرجل، الذي لا أعرفه، ولا أظن ان قدراً سيجمعني به ذات يوم.
بدءاً، لابد من التأكيد على قضية أساسية، ان السيد النجيفي جزء من المشروع السياسي الاحتلالي، وأياً كانت الدوافع التي جعلته ينخرط في ما يسمى العملية السياسية الرائجة في العراق المحتل، فهو قد ارتكب إثما كبيراً وخطيئة بحق نفسه وبحق الوطن.
ولا أريد ان أضيف الى الضجيج مزيدا، ولكنني أريد أن أعرض حقائق ووقائع، لابد من عرضها وتوضيحها، حتى لا تضيع الحقائق في وسط الضجيج المفتعل.
لابد أن نسأل، من هم الذين أثاروا الضجة حول تصريحات النجيفي؟
المتصدّون لتصريح النجيفي ثلاثة انواع:
الأول: وطنيون، وجدوا في هذا التصريح تهديداً لوحدة العراق.
الثاني: طائفيون، وجدوا في هذا التصريح فرصة للنيل من سنة العراق الذين ينتمي إليهم الرجل، لذا راحوا يكيلون لهم أبشع التهم ويصفونهم بأقذع العبارات.
الثالث: أصحاب غرض سياسي، وجدوا في هذا التصريح فرصة للنيل من القائمة العراقية التي يمثلها النجيفي، في إطار تصفية الحسابات وصراع الثيران.
وأجدني أقول ان كل الأطراف على خطأ.
لماذا؟
لأن الوطنيين، وهم كثر والحمد لله، يعرفون ان هذه التصريحات صادرة، كما قلنا، عن رجل ارتضى بالمشروع السياسي الاحتلالي طريقاً له، وبالتالي فهو مرفوض جملة وتفصيلاً، فلماذا إذن الانشغال بتصريحات طرف مرفوض أساساً.
وللذين يصرون على انتمائهم المذهبي الى سنة العراق من الوطنيين، القول سهل وميسَّر لهم، وهو ان الأمر لا يعنيهم، لأن المشروع الوطني المقاوم في العراق، لا ينتمي الى مذهب ولا الى طائفة ولا الى عرق، وانما هو ينتمي الى العراق الواحد، حتى وإن كانت أغلب عمليات المقاومة الباسلة تحدث في مناطق ذات انتماء معين، ويقوم بها أبناء تلك المناطق لاعتبارات كثيرة، ليس أوان الحديث عنها الآن.
أما أصحاب الطرف الطائفي، فنقول لهم، انكم كنتم البادئون بالدعوة لتقسيم العراق، وقد سعيتم الى تثبيت ذلك في دستوركم المسخ، ورسَّختم الفكرة عبر الدعوة الى فيدرالية الوسط والجنوب، الذي يعرف الجميع انها فيدرالية طائفية، فلماذا تعترضون اليوم على تصريح (شريك لكم) ارتضى الدستور نفسه وأقسم على العمل بموجبه، وهو يعمل في إطاره.
ثم لماذا رفض السياسيين الأكراد للفكرة؟ ألم تكونوا اول من دعا اليها، ومارسها فعلاً على الارض؟
أما أصحاب الغرض، فنقول لهم: ان دوافعكم مفضوحة، لأنكم تنطلقون من عقدكم السياسية وليس من مواقف مبدئية، إذ انكم جميعاً مشتركون بخطيئة الدستور الفيدرالي المقسِّم للعراق الواحد.
ولأن القضية محتدمة ومرتبطة بالصراع السياسي ومحاولات التسقيط والمعارك الرخيصة والضرب تحت الحزام، لم يفت أحد الناعقين من أن يصرِّح اننا نريد (الترشيق) وكأن هذه الكلمة باتت الحل السحري لمشاكل العراق.
من المهم ان نؤكد ان الرجل لم يطالب بانفصال السنة، وانما تحدث عن تهميشهم ومشاعر الإحباط التي تنتابهم.
وهذا صحيح وأكثر من صحيح، فالسنة والشيعة، والعرب والأكراد والتركمان، يعرفون جيداً ان من يتحكم بشؤون العراق، ليسوا أبناءه، وانما هم حفنة من حملة جنسيته، الذين لا يشعرون بالانتماء اليه، ولا يعنيهم أمره، ولا أمرهم، وان كل الذي يعنيهم، امتلاء حساباتهم البنكية بأرصدة السحت الحرام، وليذهب العراق والعراقيون، سلَّمهم الله، بعد ذلك الى الجحيم.
نعم السنة مهمشون ويشعرون بالإحباط، والشيعة مهمَّشون ويشعرون بالإحباط، والأكراد والتركمان كذلك، لأن المتصدّرين اليوم هم خليط من اللصوص والمزورين وقطاع الطرق، والمتسكعين في حواري طهران ومنطقة السيدة زينب وشوارع لندن عاصمة الضباب.
ولنكن أكثر صراحة ووضوحاً.
ألم يزعم المتحكمون بالعراق انهم جاءوا لانصاف شيعة العراق، باعتبارهم (الاغلبية المحرومة) التي (عانت) الكثير في ظل حكم الأنظمة (السنية) السابقة؟
وبصرف النظر عن تفاهه هذا القول، دعونا نسأل ماذا فعلت الحكومات (الشيعية) لشيعة العراق، هل صارت حياتهم أفضل، وهل انتشرت الخدمات التعليمية والصحية في مدنهم وقراهم؟ وهل بات واقع حالهم المعاشي أفضل؟ وهل تحسَّن دخل الفرد، وانعدمت البطالة، وبات الشيعة يرفلون في رغد العيش الذي كانت الأنظمة (السنية) تحرمهم منه؟
لقد حذَّر النجيفي من خطر سمعنا همهمات بشأنه قبل أسابيع، فلماذا لانفهم الأمور في سياقها الطبيعي؟
لكنني لا أقول ان الرجل على صواب!
لقد أخطأ أسامة النجيفي مراراً، مرة حينما ارتضى أن يكون ضمن المشروع السياسي الاحتلالي، وأخرى حينما ارتضى أن يتحدَّث باسم السنة، وثالثة عندما سلَّم رقبتة لدهاقنة وحاخامات المشروع الطائفي المتحكم بالعراق، ورابعة حينما تحدَّث وهو في زيارة لواشنطن التقى خلالها عرّاب تقسيم العراق جوزيف بايدن، وخامسة حينما تأخر في توضيح انه لم يطالب بانفصال السنة وانما حذَّر من مطالبات مستقبلية قد تُثار!
أياً كانت دوافع الرجل، وأياً كانت أغراضه، فقد ارتكب أخطاء جسيمة، ووقع في ورطة كبيرة، حين لم يفهم ان (شركاءه) في العملية السياسية ليسوا الا ضباعاً غادرة تريد ان تنقض على فريستها، وهي تتحين الفرص لذلك، وقد سقط الرجل في الفخ، وعليه ان يحسن التصرَّف ويعود الى جادة الصواب، وأعتقد انه يعرف جيداً أين يكمن الصواب وأين يكمن الخطأ!
أما بالنسبة لنا فالأمر محسوم وواضح تماماً.

هناك تعليق واحد:

  1. عراقي يتحسر على الماضي5 يوليو 2011 في 10:29 ص

    مقال رائع بارك الله فيك

    ردحذف